ابن عربي
275
مجموعه رسائل ابن عربي
وأعلم أن اللّه تعالى ما أسكنك في هذه الدار إلّا ليجعلها دار اعتبار ، فتتفكر وتعتبر ، وتذكر وتزدجر ، وتعظم من سواك فعدلك ، وصورك فجملك ، وولاك وملكك ، وعلمك وحنكك ، فإن كنت مطيعا لربك ، عادلا في رعيتك فستصير إلى النعيم عند اللّه ، كما تصير أنت من أطاعك إلى هذا النعيم . وإن كنت عاصيا جائرا في حكمك ، ظالما ، فستصير إلى ضيق وعذاب جحيم ، كما تصير أنت من عصاك وناوأك إلى عذاب أليم ، فخف ربك وذنبك ، وأصلح مع اللّه قلبك ، وأنذر قومك ، وطهر ثوبك ، ولا يحجبنك سلطان عادتك عن تحصيل أسباب سعادتك ، فإن الدنيا لمحة بارق ، وخيال طارق ، كم من ملك مثلك ملكها ، ثم رحل عنها وتركها ، ولا بد لك من الرحلة ( عنها إلى ) « 1 » الآخرة فأما أن تعمر درجها ، وإما أن تعمر دركها . واعلم أن اللّه تعالى ما جعلك ملكا على خلقه ، وأقامك بين الباطل والحق في مقام حقه ، لقصور قدرته عن إصلاح الخلق وتدبيره ، وتصريفه في أظهار الملك وتسخيره ، وإنما ضرب لك بك مثالا في عالم الفناء ، لتستدل به على ترتيب الملك الإلهي في دار البقاء ، ولهذا جعل هذه الدنيا ظلا زائلا ، وغصنا مائلا ، وجعلك عنها راحلا ، فهي جسر منصوب على بحر الهلاك ، وميدان موضوع لمصارع الهلاك ، كم أبادت من القرون الماضية والأمم الخالية ، والجبابرة المتألهين « 2 » الطاغين . والحكماء والفضلاء . والأدباء والعقلاء . والأنبياء والأولياء ، فهل ترى لهم من باقية « 3 » ؟ . وأنت أيها الملك على قارعة مذهبهم ، وعن قريب تلحق بهم ، فأما إلى نعيم في دار الخلد « 4 » بجوار الصمد ، وأما إلى عذاب الأبد ، فاجهد في تحصيل أدوات النجاة والبقاء ، فإن الدنيا متاع ، والآخرة خير لمن اتقى ، والعارية مردودة ، وأعمالك بين يديك موجودة غير مفقودة ، في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، ولا علانية ولا سريرة .
--> ( 1 ) ما بين القوسين من المطبوعة . ( 2 ) المتكبرون على خلق اللّه ، المدعون للألوهية . ( 3 ) في المطبوعة : « والحكماء ، والأدباء ، والعقلاء والأولياء ، والأنبياء ، فهل ترى لهم من باقية » . ( 4 ) في المطبوعة : « الخلود » .